يوسف بن تغري بردي الأتابكي
303
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
التراب على رؤوسهم والسلطان ينظر إليهم من مجلسه بالمقعد الذي كان جلس به من أمسه وسبب صراخ الأسرى وعظيم بكائهم أنه كان فيهم من لا يصدق أن ملكهم قد أسر لكثرتهم وتفرقهم في المراكب والاحتفاظ بهم وعدم اجتماع بعضهم على بعض فكان إذا قيل لبعضهم إن ملككم معنا أسيرا يضحك ثم يقول أين هو فإذا قيل له بهذه المركب ويشار إلى مركب الأمير تغرى بردى المحمودي يهزأ بذلك ويتبسم فلما عاينوه تحققوا أسره فهالهم ذلك وقيل إن بعض سبى الفرنج سألت من رجل من المسلمين لما كسروا الصليب الكبير الذي يعرف به جبل الصليب ببلادهم وكان هذا الصليب معظما عندهم إلى الغاية وقالت نحن إذا حلف منا رجل أو امرأة على هذا الصليب باطلا أوذى في الوقت وأنتم قد كسرتموه وأحرقتموه ولم يصبكم بأس ما سبب ذلك فقال لها الرجل أنتم أطعتم الشيطان فصار يغويكم ويستخف بعقولكم ونحن قد هدانا الله للإسلام وأنزل علينا القرآن فلا سبيل له علينا فعندما كسرناه بعد أن ذكرنا اسم الله تعالى عليه فر منه الشيطان وذهب إلى لعنة الله فقالت المرأة هو ما قلته وأسلمت هي وجماعة معها انتهى ولم أوقف جينوس المذكور بالحوش بين يدي السلطان وأوقف معه جماعة من قناصلة الفرنج ممن كان بمصر وأعمالها وتكلم الترجمان معه فيما يفدى به نفسه من المال وإلا يقتله السلطان صمم هو على مقالته الأولى فالتزم القناصلة عنه بالمال لفدائه من غير تعيين قدر بعينه ولكنهم أجابوا السلطان بالسمع والطاعة فيما طلبه وعادوا بجينوس إلى مكانه من الحوش والترسيم عليه وكان الذي رسم عليه السيفي أركماس المؤيدي الخاصكي المعروف بأركماس فرعون وأقام جينوس بمكانه إلى يوم الأربعاء فرسم له السلطان ببدلتين من قماشه وأمر له بعشرين رطل لحم في كل يوم وستة أطيار دجاج وخمسمائة درهم فلوسا برسم حوائج الطعام وفسح له في الاجتماع بمن يختاره من الفرنج وغيرهم وأدخل إليه جماعة من حواشيه لخدمته كل ذلك والسلطان مصمم على طلب خمسمائة ألف دينار منه يفدى بها نفسه وإلا يقتله والرسل